مبيان · الشعراء · العصور · الخريطة · المدونة

الشاعر القروي — صوت لبنان والعروبة في المنفى

محمد الشقيقي · · آخر تحديث: 2026-10-15

رحلة الشاعر القروي رشيد سليم الخوري من البربارة إلى البرازيل، قصة الصوت الشعري الذي دافع عن القضايا العربية وفلسطين من المنفى.

البربارة — ابن الجبل

في قرية البربارة الصغيرة المتربعة على سفوح جبل لبنان، حيث تعانق أشجار الأرز الغيوم وتتدفق الينابيع بين الصخور، وُلد رشيد سليم الخوري في الثامن من أبريل عام 1887. كانت القرية آنذاك واحة من السكينة والبساطة، بعيدة عن صخب المدن العثمانية، لكنها كانت غنية بالحكايات والأساطير التي تُروى على ألسنة العجائز في ليالي الشتاء الباردة.

نشأ رشيد في عائلة مارونية بسيطة، تعلم الحرف الأول في مدارس القرية قبل أن ينتقل إلى مدرسة الحكمة في بيروت — تلك المدرسة التي خرّجت أجيالاً من المفكرين والأدباء اللبنانيين. في أروقتها، تفتحت موهبته الشعرية، واكتشف أن الكلمات يمكن أن تكون أقوى من السيوف.

"أنا القروي بين الشعراء ولي في القرية أصل وجذور"

اختار لنفسه لقب "الشاعر القروي" في تحدٍّ صريح لكل من يستصغر الريف والقرية. بينما كان شعراء عصره يتنافسون على ألقاب مديرية كـ"أمير الشعراء" و"شاعر النيل"، اختار هو أن يكون "القروي" — اعتزازاً بجذوره، وانتماءً للأرض التي علّمته أن الشرف في الأصالة لا في الادعاء. كان هذا اللقب بياناً سياسياً واجتماعياً قبل أن يكون اسماً فنياً.

في قصائده الأولى، تغنى بجمال الطبيعة اللبنانية: الوديان الخضراء، والجداول المتدفقة، ورائحة الزعتر البري في الصباحات الندية. كانت هذه القصائد تحمل بذور ما سيصير لاحقاً صوته القومي المدوي — فمن يحب قريته بهذا العمق، سيحب أمته بعمق أكبر.

البرازيل — المنفى والشعر

في عام 1913، وفي ظل الضائقة الاقتصادية التي عصفت بجبل لبنان تحت الحكم العثماني المتهالك، حزم رشيد حقائبه وأبحر عبر المحيط إلى البرازيل — الأرض البعيدة التي صارت وطناً ثانياً لآلاف اللبنانيين الباحثين عن لقمة العيش. كان عمره ستاً وعشرين سنة فقط، لكنه كان يحمل في صدره قلب شاعر وروح ثائر.

استقر في ساو باولو، المدينة الصاخبة التي كانت تنمو بسرعة فائقة. عمل في التجارة ككثير من المهاجرين، لكن بينما كان يبيع البضائع نهاراً، كان يكتب الشعر ليلاً. لم تستطع أنوار ساو باولو أن تُنسيه أضواء القمر فوق جبل لبنان، ولا ضجيج المدينة أن يُخرس صوت الينابيع في ذاكرته.

انخرط في الجالية اللبنانية النشطة، وسرعان ما برز كصوت شعري متميز. في عام 1933، أسس مع نخبة من الأدباء المهاجرين "العصبة الأندلسية" — تلك الجماعة الأدبية التي كانت توأماً جنوبياً للرابطة القلمية في نيويورك. ضمت العصبة أسماءً لامعة مثل إلياس فرحات وشكر الله الجر، وصارت منبراً للأدب المهجري في أمريكا الجنوبية.

"نحن في المنفى نبني جسراً من الحروف يصل الغريب بأرضه والماضي بالحاضر"

من البرازيل البعيدة، أطلق القروي صوته الشعري القوي عبر المحيطات. كانت قصائده تُنشر في الصحف العربية من المشرق إلى المغرب، وتُقرأ في الجامعات والمدارس، وتُنشد في المظاهرات. أثبت أن المنفى يمكن أن يكون منصة لا سجناً، وأن الشاعر الحقيقي لا تحده المسافات ولا تُسكته المحيطات.

الصوت الوطني — شاعر القضايا

لم يكن الشاعر القروي مجرد ناظم كلمات جميلة يتغنى بالطبيعة والحب، بل كان صوتاً للمظلومين ومدافعاً شرساً عن القضايا العربية في زمن كان فيه الكلام مخاطرة والشعر الوطني جريمة. حمل قلمه كما يحمل المحارب سيفه، وأطلق قصائده كما تُطلق الرصاصات.

كتب ضد الاستعمار الفرنسي للبنان وسوريا بجرأة قلّ نظيرها. بينما كان الانتداب يُحكم قبضته على بلاد الشام، كان القروي يكتب من البرازيل قصائد تُوزع سراً في بيروت ودمشق. نادى بالوحدة العربية والاستقلال في زمن كانت فيه هذه الأفكار تُعتبر تمرداً يُعاقب عليه بالسجن والنفي.

"لا تسألوني عن بلادي فإنها في القلب منزلها وفي الأحداق" "هي جنتي فوق الثرى وسمائي ونعيمها أمل المصون الباقي"

كان شعره سلاحاً في معركة التحرر — يُنشد في المظاهرات ضد الاستعمار، ويُوزع في المنشورات السرية، ويُحفظ في صدور الطلاب والعمال. قصائده مثل "لست بالواني" و"أيها العرب" صارت أناشيد للجماهير الغاضبة، تُردد في الشوارع وتُكتب على الجدران.

دفع ثمن مواقفه غالياً: مُنعت كتبه في بعض البلدان العربية الخاضعة للاستعمار، وحُرم من زيارة وطنه لسنوات طويلة. لكنه لم يتراجع ولم يساوم. كتب ذات مرة: "إن الشاعر الذي يخاف من حكامه ليس بشاعر، بل هو عبد يتقن نظم الكلام". هذا الموقف جعله أيقونة للمقاومة الثقافية في عصره، ومثلاً يُحتذى للأجيال اللاحقة.

فلسطين — القصائد الملتهبة

في فلسطين كتب الشاعر القروي أروع قصائده وأكثرها التهاباً، حتى صار يُلقب بـ"شاعر فلسطين" رغم أنه لم يطأ أرضها قط. كانت فلسطين بالنسبة له ليست مجرد قضية سياسية، بل كانت جرحاً شخصياً ينزف في قلبه كل يوم.

منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917، رأى القروي الخطر القادم بعين البصيرة. بينما كان كثيرون يستخفون بالوعد ويظنونه مجرد كلام سياسي، كان هو يُطلق صرخاته الشعرية محذراً ومنادياً. كتب آنذاك:

"يا فلسطين لا تخافي فإنا لك جند ولو تفانى الجنود" "نحن للموت سائرون إذا ما دعت الأرض والنخيل الشهود"

قصائده الفلسطينية مثل "يا فلسطين لا تخافي" و**"نحن الفدائيون"** و**"يا عمّال فلسطين"** صارت أناشيد للمقاومة والأمل، تُغنى في المخيمات وتُردد في المظاهرات من بيروت إلى بغداد. كان صوته يصل من البرازيل البعيدة — عبر عشرة آلاف كيلومتر من المحيطات — إلى كل بيت عربي، يُشعل الحماس ويُوقظ الضمائر النائمة.

الأمر المذهل أن القروي كتب عن فلسطين بعاطفة من وُلد فيها وشرب من مائها. كان يصف زيتونها ونخيلها وبحرها كأنه يراها أمام عينيه، وكان يرثي شهداءها كأنهم إخوته. هذا الارتباط الروحي بأرض لم يرها جعل قصائده أصدق من كثير مما كتبه شعراء عاشوا فيها.

في زمن النكبة عام 1948، كتب قصائد تقطر دماً ونار، وظل حتى آخر أيامه — في الثمانينيات — يكتب عن فلسطين ويؤمن بتحريرها. لم يعرف اليأس طريقاً إلى قلبه.

العودة — الشاعر والوطن

بعد أكثر من خمسين عاماً في المنفى البرازيلي، عاد الشاعر القروي أخيراً إلى لبنان في الستينيات، ليُتم دورته الكاملة من البربارة إلى البربارة. كان شيخاً قد جاوز السبعين، شعره أبيض كثلج الجبل الذي وُلد على سفوحه، لكن عينيه ما زالتا تتقدان بنار الشباب والحماس.

استقبله لبنان استقبال الأبطال. الشاعر الذي غادر شاباً مغموراً يبحث عن لقمة العيش، عاد شيخاً مُكرّماً صار اسمه علماً على الشعر الوطني. كُرّم تكريماً يليق بمكانته: أُقيمت له الحفلات، ونُشرت عنه الدراسات، ودُعي لإلقاء قصائده في المهرجانات الكبرى.

"عُدت يا لبنان بعد الفراق وأنا منك وأنت مني" "كل صخر فيك يعرفني وكل نجم فوقك يحنو عليّ"

أصدر في سنواته الأخيرة آخر دواوينه، وظل يكتب ويُلقي الشعر رغم تقدم السن. كان يقول: "الشاعر لا يتقاعد، لأن الشعر ليس وظيفة بل حياة". حتى حين اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ظل صوتاً للوحدة والسلام، يرفض الانقسام ويدعو للأخوة.

توفي في بيروت عام 1984 عن عمر يناهز 97 عاماً — عمر مديد قضى معظمه في خدمة الكلمة والقضية. تاركاً إرثاً شعرياً يشهد على حقبة كاملة من النضال والوفاء للهوية والأرض. ظل حتى آخر أنفاسه مؤمناً بفلسطين وبحق العرب في أرضهم، صوتاً لا يهدأ ولا يساوم. دُفن في لبنان الذي أحبه، لكن صوته ما زال يتردد في كل مكان يُنشد فيه شعره.

فلسفة القروي

إذا كان خوسيه مارتي قد ناضل لتحرير كوبا بالكلمة والفعل من منفاه الأمريكي، فإن الشاعر القروي كان صوت العروبة المدوي من منافي البرازيل البعيدة. وكما حمل شعراء المنفى الأوروبيون — من دانتي إلى هوغو — أوطانهم في قلوبهم، حمل القروي لبنان وفلسطين والأمة العربية في كل بيت من شعره.

ما يُميز فلسفة القروي أنه رفض الفصل بين الشعر والحياة، بين الجمال والقضية. كان يؤمن أن الشاعر الذي لا يُدافع عن المظلومين خائن لموهبته، وأن القصيدة التي لا تُحرك الضمائر ليست أكثر من ثرثرة منمقة. حوّل الغربة إلى منصة للدفاع عن العروبة، وجعل شعره جسراً يربط المهاجرين في الأمريكتين بأوطانهم البعيدة.

أبرز حكم القروي الفلسفية

"أنا العربي لا شرقي ولا غربي ولي في كل أقطار العروبة أهل" — في الانتماء القومي الذي يتجاوز الحدود المصطنعة

"بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام" — في حب الوطن غير المشروط

"لبنان يا قطعة سماء على الأرض" — في تقديس الوطن وتمجيده

"الشعر سيف لا يصدأ والكلمة رصاصة لا تخطئ" — في دور الشاعر النضالي

إرث القروي الحقيقي ليس في دواوينه فحسب — رغم أنها كنوز أدبية — بل في النموذج الذي قدمه: شاعر ملتزم لا يفصل بين الفن والموقف، ولا يساوم على قضايا أمته مهما بعدت المسافات أو طالت السنون. في زمننا هذا، حيث يتراجع كثيرون عن مواقفهم تحت ضغط المصالح، يظل القروي مثالاً ساطعاً على أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً، وأن الشاعر يمكن أن يكون محارباً.

أسئلة شائعة

من هو الشاعر القروي؟

رشيد سليم الخوري (1887-1984م) شاعر لبناني هاجر إلى البرازيل. لُقب بالشاعر القروي لتغنيه بقريته. اشتهر بشعره الوطني والقومي خاصة عن فلسطين.

لماذا اشتهر الشاعر القروي بالدفاع عن فلسطين؟

كتب قصائد نارية في الدفاع عن فلسطين والتنديد بالظلم، حتى لُقب بـ"شاعر فلسطين" قبل محمود درويش. من أشهرها "يا فلسطين الحبيبة".

مقالات ذات صلة