بين النفس والناس: في موقف الشاعر من العالم
محمد الشقيقي · · آخر تحديث: 2026-10-15
الشاعر صوتٌ مزدوج: يَتكلّم من داخله وإلى خارجه في آنٍ واحد. تأمّلٌ في التوتّر الذي عاشه الشعر العربي بين الذات والجماعة، من المعلّقات إلى المعرّي.
مقدمة: السؤالُ الذي يَسبق القصيدة
ثمّة لحظةٌ تَسبق كلَّ قصيدة. لحظةٌ صامتة، يَقف فيها الشاعرُ على عَتبةٍ غير مَرئية، يَسأل نفسه — دون أن يَعلم أنه يَسأل — لمن أكتب؟
هل أهمسُ لنفسي، فيُصغي الناسُ مُصادفةً؟ أم أخطبُ في الناس، فتَتسلّل نفسي إلى الكلام؟
هذا السؤال أقدمُ من المعلّقات. وهو الذي يُحدّد، في كلِّ عصر، شَكلَ الشعر العربي ومَوضِعَه من الحياة. لم يُجِب الشعرُ العربي عليه إجابةً واحدةً، بل عاش فيه. كلُّ تَحوُّلٍ كبيرٍ في تاريخه — من فُحول الجاهلية إلى صعاليكها، من قصائد البلاط العباسي إلى عزلة المعرّي — لم يكن سوى إعادةِ ضَبطٍ لمَيزانٍ دقيق: ميزان الذات والجماعة.
في هذا المقال نَتأمّل هذا التوتُّر، لا لنَحسمه — فإن حَسمَه ضربٌ من قَتل الشعر — بل لنَفهم كيف صاغ هويّة القصيدة العربية منذ مَطلَعها الأوّل.
والسؤالُ — حين نَتأمّله — أَعمقُ مما يَبدو. فهو ليس سؤالًا عن جُمهورٍ، بل عن بِنية الكلام ذاتها. أَن تَتكلّم، يَعني أن تَفترضَ سامعًا، ولو كان السامعُ نَفسَك المُنفصلة عنك لحظةَ التَّلفُّظ. لا يوجد كلامٌ بلا مَوقعٍ يُلقى منه، ولا مَوقعٍ يُلقى إليه. حتى المُناجاةُ في الخَلاء تَفترض مَن يَسمع.
وهنا تَكمن الخصوصية الشِّعرية: القصيدةُ — بخلاف الخُطبة والرسالة — تَتظاهرُ بأنها مونولوغ، لكنّها في حقيقتها حوارٌ مُؤجَّل. الشاعرُ يَتكلّم وكأنّه وَحيد، ويَعلم في قَرارته أنه ليس كذلك. هذا التَّظاهر اللطيف هو ما صاغه جون ستيوارت مِل في القرن التاسع عشر بتمييزه الشهير بين البَيان والشِّعر: «البَيانُ يُسمَع، أمّا الشِّعرُ فيُستَرَق سَمعُه». الخطيبُ يَعرف أنّك تَسمعه، فيُخاطبك مُباشرةً. الشاعرُ يَتظاهرُ بأنّه يَهمس لنفسه، فيَجذبك إلى الإصغاء.
وبين هاتين الحالتين — البَوحِ المُعلَن والمُناجاةِ المسموعة — يَتأرجح الشعرُ العربيُّ منذ امرئ القيس إلى محمود درويش. وهذا التأرجحُ ليس عَيبًا فيه؛ هو شَرطُ وُجوده. القصيدةُ التي تَحسم الأمرَ في اتّجاهٍ واحد — إمّا خُطبةً صريحة وإمّا هَذيانًا مُغلَقًا — تَخرج من دائرة الشعر إلى ما حَولها. الشعرُ هو الفنُّ الذي يَأبى الحَسم.
لسانُ القبيلة — حين تَتقدّم الجماعةُ على الذات
في البنية القبليّة الجاهلية، لم تكن القصيدة فِعلًا فرديًا بقدر ما كانت فِعلًا اجتماعيًا. الشاعر كان أقربَ إلى المُوظَّف العمومي منه إلى الرومانتيكي المنفرد: يَفخر بقبيلته، يَهجو خصومها، يَرثي قَتلاها، ويُخلِّد أيّامها. صوتُه — حين يَرتفع — صوتُ الجماعة وهي تَنظر إلى نفسها.
اقرأ مُعلَّقة عمرو بن كلثوم، وستَجد أن «الأنا» فيها ليست أنا الشاعر، بل أنا تَغلب:
ألا لا يَجهلَنْ أحدٌ علينا *** فنَجهلَ فوقَ جَهلِ الجاهِلِينا
الضمير جَمعيٌّ كالطَّبل. القصيدة لا تَبوحُ بشيءٍ خاص؛ هي إعلانٌ رسمي عن صورةٍ تَريد القبيلةُ أن تَراها لنفسها.
وحتى زُهير بن أبي سُلمى، أَحكَم شعراء الجاهلية، لا يُقدّم في معلّقته اعترافًا فرديًا، بل حِكمةً جماعية صَفّاها له طولُ التجربة:
ومَهْما تَكُنْ عند امرئٍ من خَلِيقةٍ *** وإن خَالَها تَخْفَى على الناسِ تُعلَمِ
هذا ليس بوحَ رجلٍ لنفسه؛ هذا قانونٌ يُلقيه شيخٌ على قَومه.
حتى الوقوفُ على الأطلال في مَطالع القصائد — تلك الصورة التي يَظنّها القارئ المعاصر بوحًا عاطفيًا — كانت شعيرةً فنّيّة مشتركة، يَستهلّ بها الشاعر قصيدتَه كما يَستهلّ الإمامُ خُطبتَه بحمدِ الله. تَقاليدُ لا أسرار.
لكنّ من الخطأ أن نَستنتج أن الذات كانت غائبة. كانت حاضرةً بطريقة أخرى: مُتحقِّقةً من خلال الجماعة، لا في مُواجهتها. الشاعر يَجد نفسَه حين يَجدُ قَومه. والقصيدة مرآةٌ كبرى، لا نافذةٌ صغيرة.
ولفَهم هذا أَعمقَ، يَنبغي أن نَتذكّر أنّ القصيدةَ الجاهلية لم تكن نَصًّا يُقرأ في خَلوة، بل حَدَثًا يَقع في سُوقٍ أو مَجلسٍ أو يومِ فَخار. لها زمانٌ ومكان وجمهورٌ مُتيقِّظ. ومن هنا جاءت بِنيتُها الثُّلاثية المعروفة — النَّسيب، فالرَّحيل، فالغَرَض — لا بوصفها وَصفةً جامدة، بل بوصفها عقدًا ضِمنيًا بين الشاعر والمُتلقّي: مَدخلٌ يَستميل به القلوب، ثم انتقالٌ يَستجمع به الانتباه، ثم مَقصدٌ يُلقي فيه ما جاء من أجله. كلُّ خَرقٍ لهذا العَقد كان يُلاحَظ ويُذَمّ، كما يُلاحَظ خَرقُ آدابِ المجلس.
ومن هنا أيضًا يَكتسب ابنُ سلّام الجُمحي معناه حين قَسَّم الشعراء في طبقات فُحول الشعراء إلى مَراتب: لم يكن يُصدر حُكمًا ذوقيًا فرديًا، بل كان يُسجِّل إجماعَ جماعةٍ على شُعرائها. الذائقةُ نفسها كانت جماعية، ومَقياسُ الفُحولة كان قُدرةَ الشاعر على تَمثيل قَومه في أَدقِّ ما يُمتَحَنون فيه.
والمُفارَقةُ الفلسفية هنا أنّ هذا «الذَّوبان» في الجماعة لم يَكن إلغاءً للذات، بل كان شَكلًا من أَشكال تَحقُّقها. الإنسانُ الجاهلي لم يَعرف نفسه إلّا من خلال انتمائه؛ نَسبُه هو هُويّتُه، وفَخرُه هو مَوقعه، وقَبيلتُه هي حُدودُه. أن تَكون شاعرَ القبيلة، يَعني أن تَكون في أَعلى مَواقع الوجود التي يَسمح بها العالم. هذا ليس استلابًا بالمعنى المعاصر؛ هو هندسةٌ مختلفة للذات، تَضعها داخل دائرةٍ أكبر بدلًا من أن تَضعها في مُواجهتها.
ولهذا، حين نَقرأ المعلّقات اليوم بعقلٍ حداثي يَبحث عن «الأنا الفردية»، نَفشل في رؤيتها. ليس لأنّها غائبة، بل لأنّها تَتكلّم بلُغةٍ أُخرى: لُغةُ الانتماء، لا لُغةُ الانفصال.
انشقاقُ الصوت — حين تَتعلّمُ الذاتُ أن تتكلّمَ عن نفسها
ثم بَدأ شيءٌ يَتحرّك. لا قَطيعةً مُفاجئة — التاريخ نادرًا ما يَعرف القطائع الحادّة — بل انشقاقًا تدريجيًا في الصوت الواحد، صار للشاعر فيه أن يَتكلّم عن نفسه، لا عن قَومه فقط.
أوّلُ هذه الأصوات كان من خارج الأسوار. شُعراء الصعاليك — الشَّنفرى، تأبّط شرًّا، عُروة بن الورد — رجالٌ خَلَعتهم قبائلهم أو خَلَعوها، فاختاروا الصحراء بَدلًا من الخيمة. في «لاميّة العرب»، يَكتب الشَّنفرى ما يُشبه بيانًا وُجوديًا:
أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطيِّكم *** فإنّي إلى قَومٍ سِواكم لأَمْيَلُ
الذات هنا تَختار وَحدتها، وتُعلنها. هذا تَحوُّلٌ هائل: القبيلةُ لم تَعُد القَدَر، صارت خيارًا يُمكن رَفضه.
ثم جاء العصرُ الأمويُّ بصوتٍ من نوعٍ آخر. عمر بن أبي ربيعة نَقل مركز القصيدة من المَيدان إلى المَجلس، ومن الفَخر القبَلي إلى المُغامرة الشخصية. ضميرُ المتكلّم صار بَطل القصيدة، والمرأةُ — لا القبيلة — صارت مَوضوعَها.
في العصر العباسي الأوّل، رَفَع أبو نُوّاس الرّايةَ صراحةً ضدّ ذائقةٍ جَمعيّة كاملة:
دَعْ عَنكَ لَومي فإنّ اللَّومَ إغراءُ *** ودَاوِني بالّتي كانَت هيَ الدَّاءُ
ليست هذه أبياتَ خَمر؛ هذه إعلانُ انفصالٍ بين الشاعر ومَنظومة القيم السائدة. الذاتُ تَقول للجماعة: لا.
ثم جاء المتنبي، ومعه بَلَغ التوتُّر ذُروته. الأنا في شعره تَتضخّم حتى تَصير مَوضوعَ القصيدة ذاتَه:
أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى أَدَبي *** وأَسمَعَتْ كَلِماتي مَن بهِ صَمَمُ
لكنّ المُفارَقة الجوهرية أنّه — في الوقت نفسه — شاعرُ بلاطٍ يَخطب في الناس، يَمدح سيف الدولة وكافور، يَحتاج الجمهور كما يَحتاج الجمهور إليه. المتنبي ليس حَسمًا للتوتُّر؛ هو أَنضَجُ تَجسيدٍ له.
وأخيرًا، في القرن الخامس الهجري، اعتزل أبو العلاء المعرّي الناسَ في صَومعته بمعرّة النعمان، وكَتب «لُزوميّاته». لكنّ عُزلتَه لم تكن هَربًا، بل منهجًا: ابتعد عن القبيلة ليُحاور الإنسان، وعن المجتمع ليُحاور الكَون:
تَعَبٌ كلُّها الحياةُ فما أَعـ *** ـجَبُ إلّا من راغبٍ في ازديادِ
الذاتُ هنا لم تَعُد تَتمرّد على الجماعة؛ هي تَجاوزتها إلى أُفقٍ أَوسع منها.
وَلْنَكُن دقيقين: لا أحد «اكتَشف الذات» في عصرٍ بعينه. الذاتُ كانت حاضرةً دائمًا. الذي تَغيّر هو نِسبَتُها إلى الجماعة، ومَوقعها من القصيدة، وحَجمُ المساحة التي تُسمَح لها بأن تَشغلها.
والسؤال الذي يَنبغي طَرحه هنا: لماذا تَحرّك هذا الصوتُ في هذه اللحظة بالذات؟ لماذا أَموي وعبّاسي، لا جاهلي؟
الجواب — في تَقديرنا — لا يَكفي فيه «نُضج فنّي»، بل يَستدعي شُروطًا مادّية صَنعت إمكانَ الذات الفردية. حين انتقل العربيُّ من الخَيمة إلى المدينة، من البَدو إلى الكوفة والبَصرة وبغداد، وَجد نفسه — لأوّل مَرّة — قادرًا على أن يَكون شخصًا منفصلًا عن قَبيلته دون أن يَهلك. المدينةُ تَحمي الفرد بما لا تَحميه الصحراء. مَن خَرج من قَبيلته في الجاهلية صار صُعلوكًا مُلاحَقًا؛ ومَن خَرج منها في بغداد وَجد مَجلسَ أَدبٍ يَستقبله.
ثم جاء نِظام الرِّعاية (البَلاط، الوزراء، الورّاقون) فأَوجد سُوقًا للقصيدة. والقصيدةُ حين تَدخل السوق، يَصير لها ثَمن، ويَصير لصاحبها اسمٌ شخصي يُعرَف به. لم تَعُد القصيدةُ تَنتسب إلى قَبيلة، بل إلى شاعرٍ بعَينه. وهذه نُقلةٌ هادئة، لكنّها كانت تَحفر — في صَمت — مَوقعَ الذات الجديد.
ومن قَرأ يَتيمة الدَّهر للثعالبي يَكتشف أنّ القرن الرابع الهجري صار سُوقًا من الأصوات الفردية، كلُّ شاعرٍ فيه يَنحت لنفسه نَبرةً مُميَّزة. لم يَعُد المعيار «هل يُمثّل قَومه»؛ صار: «هل يَقول شيئًا لم يَقُله أحدٌ قبله». هذا انقلابٌ صامتٌ في مَفهوم القصيدة، وفي مَفهوم الشاعر معًا.
لكنّ هذا الانقلاب لم يَكن انتصارًا للذات على الجماعة، كما يَحلو لبعض القراءات الحداثية أن تُصوِّره. كان إعادةَ تَوزيعٍ لميزانٍ ظَلَّ قائمًا: الجماعةُ لم تَختفِ، بل تَغيّرت — صارت جُمهورَ المَجالس بَدلَ القبيلة، وذائقةَ النُّقّاد بَدلَ أيّام الفَخار. والذاتُ لم تَستقلّ تَمامًا؛ ظَلَّت تَكتب لمن يَقرأ، تَعرف أنّها مُراقَبة، وتَستمدّ معناها من هذه المُراقَبة.
ولذلك، حين نَقول إنّ المتنبي «ذاتٌ مُتضخِّمة»، يَجب أن نُكمل الجُملة: ذاتٌ مُتضخّمة أمام جُمهور. حذفِ الجمهور يَجعل تَضخُّمَ الأنا بِلا معنى. المتنبي بغير سيف الدولة وكافور وأبي الفضل، ليس متنبيًا؛ هو رجلٌ يَتكلّم في غُرفةٍ مُغلَقة.
جدلُ المرآةِ والنافذة — القصيدةُ بوصفها خِطابًا مَفتوحًا
هنا، في قَلب هذا المقال، نَصِل إلى السؤال الفلسفي: هل يَستطيع الشاعر أن يَختار؟ أن يَقف على ضِفّةٍ واحدة دون أن يَفقد ما يَجعله شاعرًا أصلًا؟
الجواب — في تَقديرنا — لا.
والسبب يَكمن في طبيعة الشعر ذاتها. القصيدة، بنيويًا، خِطاب: لها مُرسِلٌ ومُرسَلٌ إليه، ولا تَكون قصيدةً دون هذا التَّوتُّر بين الطرفين. حتى الشاعر الذي يَدّعي أنه يَكتب لنفسه، يَكتب بلغةٍ وَرِثها من الناس، بأَوزانٍ صاغها قبله مِئاتٌ من الشعراء، بصُورٍ بَلاغية مَخزونة في الذاكرة الجماعية للأمّة. اللغةُ ذاتها مِلكٌ مُشترك؛ فمَن يَستعملها يَتسرّب إليه الآخرون رغمًا عنه.
قال هايدغر إنّ «اللغةَ بيتٌ للكينونة». وفي هذا المعنى، الشاعرُ لا يَسكن نفسه إلا حين يَسكن اللغة. واللغةُ — كأيّ بيتٍ — بَناها مَن سَبقوه، وسيَدخلها مَن يَأتي بعده. فلا عُزلة فيها مهما حاول.
ومن هنا تَنبثق المُفارَقة الجوهرية في الشعر: كلّما تَوَغّل الشاعرُ في خصوصيّته، اقتربَ من الكُلِّيِّ الإنساني فيه. حين يَنزل المتنبي إلى أقصى أَناه، يَجد فيها كبرياءَ كلّ إنسانٍ عَرَف قَدْره. وحين يَعتزل المعرّي في صَومعته، يُلامس عُزلةَ كلِّ عقلٍ حاول أن يَفهم العالم وحدَه. لذلك يُقرآن اليوم لا بوصفهما صوتَي عَصرَيهما فقط، بل بوصفهما صوتًا فينا.
والعكسُ صحيحٌ تمامًا: الشاعر الذي يَذوب كاملًا في الجمهور، يَفقد ما يَجعله مَسموعًا. يَتحوّل إلى صَدًى. القصائد التي تَقول ما يَقوله الجميع، لا يَحفظها أحد. لأنّ الناس لا يَنصتون إلى المرآة؛ يَنصتون إلى مَن يَرى ما لم يَرَوه هم.
فالشِّعرُ، إذن، يَعيش في منطقةِ التَّوتُّر بين القُطبَين: نفسٌ تَتكلّم، وناسٌ يَمنحون الكلامَ معناه. والشاعر الحقيقي لا يَختار بينهما؛ يَعيش هذا التوتّر، يَحرسه، يَجعل منه القصيدة نفسها. كلُّ قصيدةٍ كُبرى هي محاولةٌ جديدةٌ لرَسم هذا الخطّ الدقيق بين المرآة والنافذة.
ومَن نَجح في حِراسة هذه المسافة — كزُهير، والمعرّي، والمتنبي، ودرويش — بَقي. ومَن سَقط في إحدى الضِّفّتين، نَسيه الزمنُ سَريعًا.
ولنَدفع المُحاجَّة خُطوةً أَبعد. قال فِتغنشتاين، في «تَحقيقاته الفلسفية»، إنّ اللغةَ الخاصّة مُستحيلة: لا يُمكن لإنسانٍ أن يَخترع لُغةً لا يَفهمها سواه، لأنّ معنى الكلمة لا يَنشأ في رأسٍ مُنفرد، بل في استعمالٍ مُشترَك بين النّاس. هذا يَعني، بترجمةٍ شِعرية: لا يوجد شاعرٌ خاصّ. كلُّ مَن يَتكلّم — حتى لو هَمس في صَومعة — يَتكلّم بأَدواتٍ صَنعها له الآخرون.
وحتى الإيقاع، أَخصُّ ما في القصيدة العربية، عقدٌ جماعي. البَحرُ الذي يَختاره الشاعرُ — طويل، كامل، وافر، بَسيط — ليس مِلكَه؛ هو مِلكُ تَقليدٍ يَمتدّ ألفًا وخمسمئة سنة. حين يَكتب على «الطويل»، يَدخل في مُحادَثةٍ صامتة مع امرئ القيس وزُهير والمتنبي وشوقي ودرويش. الوزنُ نفسُه يَحمله إليهم، شاء أم أَبى. القافية أَصوات أَجداده تَعود إليه.
ومن هنا تَنبثق إشكاليّةٌ كَلاسيكية في النَّقد العربي: مسألة الصِّدق الشِّعري. حين قال النُّقّاد القُدامى «أَعذبُ الشِّعر أَكذبُه»، لم يَكونوا يُمجِّدون الكَذب، بل كانوا يُميِّزون بين الصِّدق الأَخلاقي (مُطابقة الواقع) والصِّدق الفنّي (مُطابقة التَّجربة الشِّعرية لشُروطها الجمالية). الشاعرُ قد يَمدح مَن لا يَستحقّ، أو يَتغزّل بمن لا يَعرف، أو يَبكي على دارٍ لم يَسكنها — ويَظلّ صادقًا فَنّيًا. لأنّ صِدقَه ليس مع الواقع، بل مع العَقد بينه وبين المتلقّي: عَقدٌ يُجيز للقصيدة أن تَبني عالمَها الخاصّ، شَريطةَ أن تُقنع.
وهذا العَقدُ الخفيُّ هو ما يَجعل الشِّعرَ، في النِّهاية، فَنًّا اجتماعيًا بأَعمق ممّا نَظُن. فحتى حين يَتمرَّد الشاعر، يَتمرَّد داخلَ نِظامٍ يَفهم تَمرُّده. حتى حين يَصرخ المعرّي: «تَعَبٌ كُلُّها الحياة»، يَصرخ بلُغةٍ يَفهمها الآخرون، بقافيةٍ يَتوقّعونها، في وَزنٍ ورِثه عن من سَبقوه. تَمرُّدُه ذاتُه مَكتوبٌ بحبر الجماعة.
وفي هذا المعنى، يَكتسبُ بَيتُ محمود درويش بُعدًا فلسفيًا عميقًا حين يَقول: «أَنا لُغَتي». ليست اللغةُ أَداةَ الشاعر؛ هي هُويّتُه. ومَن قال «لُغة» قال «جماعة»، فاللغةُ لا تُورَّث في عُزلة. الشاعرُ، إذن، لا يَملك نفسَه إلّا بقَدر ما يَملكه قَومُه.
الجِسرُ لا الضِّفّة — في خاتمة الموقف
الشاعرُ لا يَقف بين الناسِ وبين نفسه كَمَن يَختار جِهةً. يَقف كَمَن يَحرس مَسافة.
وهذه المسافةُ — التي لا اسمَ لها في أيّ معجم — هي القصيدة. هي المكان الوحيد الذي تَلتقي فيه نَفسٌ وَحيدةٌ بناسٍ كثيرين دون أن يَفقد أحدُهما هُويّته. الشاعرُ يَهمس فيها، ويُصغي الناسُ. الشاعرُ يَصرخ فيها، ويَتعرّفون على أصواتهم في صَوته.
ولعلّ هذا ما يُفسّر لماذا يَظلّ الشعرُ، رغم كلّ تَحوّلات العالم، الفنَّ الذي لا يَموت. لأنّه الفنّ الوحيد الذي صَنعَ من التَّوتُّر بين الفرد والجماعة بَيتَه الدائم. الرواية تَحكي عن الجماعة، والمذكّرات تَبوح بالفرد، أمّا الشعرُ فيُمسك بالطَّرفين في يدٍ واحدة.
فإذا قَرأتَ المعلّقات، فلا تَقرأها بوصفها سجلَّ قبائل. اقرأها بوصفها أوّلَ محاولةٍ عربية للإجابة عن السؤال: كيف يَكون الإنسانُ مع جماعته دون أن يَفقد نفسه؟
وإذا قَرأتَ المتنبي والمعرّي، فلا تَقرأهما بوصفهما هَربًا إلى الذات. اقرأهما بوصفهما محاولةً ثانيةً للإجابة عن السؤال نفسه، من الجهة المُقابِلة: كيف يَكون الإنسانُ مع نفسه دون أن يَفقد الناس؟
أمّا الجواب الكامل، فلا يَملكه أحد. وما الشعرُ، في نهاية الأمر، إلا الأرشيف الأَعمق لمحاولاتنا — جيلًا بعد جيل — أن نَعيش هذا السؤال دون أن يَقتلنا.
ولعلّ هذا ما يُفسِّر شيئًا غامضًا في تَجربتنا مع القصيدة الكُبرى: لماذا نَشعر، حين نَقرأها بعد أَلف سنة، أنّها كُتبت عنّا، لا عن قائلها؟
السبب أنّ الشاعر — في لحظة الكتابة الخالصة — يَنزل إلى مَكانٍ في نفسه أَعمقَ من شَخصه. مَكانٍ تَلتقي فيه فَردانيّتُه بفَردانيّاتٍ أُخرى لم يَعرفها قَطّ. الذي يُخاطبنا ليس امرأَ القيس بالضَّبط، ولا المتنبي بالضَّبط، ولا المعرّي بالضَّبط؛ هو الإنسان الذي صار كلٌّ منهم في تلك اللحظة. وحين نَقرأهم، نَكتشف أنّنا — نحن أيضًا — كُنّا هذا الإنسان دون أن نَدري.
هذه هي مُعجزة الشعر الصغيرة، والكبرى في آنٍ: أنّه يُمكن لجملةٍ كَتبها رجلٌ في الكوفة سنة 354 هـ أن تُخرجَ من قارئٍ في الرياض سنة 1446 هـ دَمعةً لم يَكن يَعرف أنّها فيه. كيف يَحدث هذا؟ يَحدث لأنّ الشاعرَ، حين أَخلصَ في خِراسة المسافة بين نفسه والناس، صار صَوتًا يَتجاوزهما معًا، فيَصل إلى شيءٍ ثالث: الإنسانيُّ نَفسه.
ومَن أَدركَ هذا، أَدركَ لماذا يَظلّ الشِّعرُ — في عَصر الصورة والفيديو والذكاء الاصطناعي — قادرًا على أن يَفعل ما لا يَفعله غيره. لأنّ التِّقنية تُعطينا أَدواتٍ أَدقّ لقَول ما نَعرفه. أمّا الشعرُ فيُعطينا الأَداةَ الوحيدة لقَول ما لا نَعرف أنّنا نَعرفه. وهذه — في النهاية — هي الوظيفة التي لا تَموت.